آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٧ - المقام الثاني
النصارى بأن القرآن جاء بلفظة «لتنوء» في غير محلها. و هل ترى ابن عباس لا يعرف ان معنى ينوء بالوسق ليس يثقل بل ينهض به بتكلف. و هل ترى ابن عباس لا يدري ببيت المعلقة ليستشهد به استشهادا صحيحا مطابقا منتظما. كيف و إن المعلقات كانت للشعر في ذلك العصر كبيت القصيد و لكن «حنّ قدح ليس منها» و قد خرجنا عما نؤثره من الاختصار و لكنا ما خرجنا عن المقصود الاصلي من الكلام في تفسير القرآن الكريم بل سارعنا إلى شيء من الخير و اللّه المسدد الموفق
المقام الثاني
لا يخفى ان القرآن الكريم مبني على ارقى أنحاء البلاغة العربية و تفننها بمحاسن المجاز و الاستعارة و الكناية و الإشارة و التلميح و غير ذلك من مزايا الكلام الراقي ببلاغته مما كان مأنوس الفهم في عصر النزول و رواج الأدب العربي و قيام سوقه. و كان بحيث يفهم المراد منه و مزاياه بأنس الطبع و مرتكز الغريزة كل سامع عربي. و لكن بعد اشتراك الأمم في بركة الإسلام و امتلاء جزيرة العرب من الأمم و تفرق العرب بالتجنيد في غير البلاد العربية تغير أسلوب الكلام العربي في عامة الناس و تبدلت مزايا الكلام و أساليب المحاورات فعاد ذلك المأنوس غريبا في العامة و ذلك الطبيعي الغريزي يحتاج في معرفته إلى ممارسة التطبع و كلفة التعلم و التدرب في اللغة العربية و أدبها على النهج السوي. من دون تقليد معرقل و لا وقوف عند الأسماء و لا جمود على قشور القواعد التي مهدها المتدربون في العربية من الخواص اقتباسا بقدر الوسع من ذلك الأدب القديم. فدونوا من مبتذلها شيئا و فاتهم من أسرارها و حقائقها الشيء الكثير. و ربما أدت بهم و عورة البحث و الجمود على التقليد إلى عثرات الوهم أو احجام الشكوك انظر إلى ان جماعة من النحويين كالشراح لألفية ابن مالك و غيرهم قالوا في قول الراجز «جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط» ان التقدير بمذق مقول فيه هل رأيت إلخ و لا يخفى ان الراجز يريد وصف المذق بما يبين حاله و تبدل لونه بكثرة الماء و ماذا يجدي فى ذلك كونه مقولا فيه هل رأيت الذئب قط و لم يفطنوا إلى ان الصفة التي يريدها الراجز كما يقتضيها المقام قد أشار إليها باستفهامه الذي هو بمنزلة التمثيل الحي لها. فكأنه قال جاؤوا بمذق لونه كلون الذئب هل رأيت الذئب يوما من الأيام فإن لون المذق كلونه فاعرف كيف كان.
و من شواهد ذلك ان صاحب الكشاف مع تضلعه من الأدب العربي و معرفته بفذلكات الكلام